|
التهاون بالمعاصي
الحمد لله الرقيب الحسيب، العليم الخبير، المطلع على السرائر، القائل في كتابه
الكريم: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي
الصُّدُورُ}(سورة غافر:19)، غافر الذنب لمن تاب إليه وأناب
{غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ
الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ}(سورة
غافر:3)، شديد العقاب لمن عصى وتنكب الصراط {وَكَذَلِكَ
أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ
شَدِيدٌ}(سورة هود:102)، قال عز من قائل:
{اعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(سورة
المائدة:98)، والصلاة والسلام على البشير النذير محمد بن عبد الله الصادق الأمين
صلى الله عليه وسلم تسليماً مزيداً إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن المتأمل في أحوال العصاة من بني آدم يجدهم على أصناف: منهم من يخلط عملاً
صالحاً بعملٍ من المنكرات والمعاصي، تغلبه على ذلك نفسه التي ضعفت؛ فيقع في
المعصية، ثم يرجع إلى ربه تبارك وتعالى متألماً مستغفراً نادماً، ومنهم من يستمر
على فعل معاصٍ وطاعات، لا يؤنبه قلبه، ولا تراه يتذكر أو يفيق من هذه الغفلة، فهو
يعمل المعاصي مستتراً من أعين الناس، وينسى أن الله تبارك وتعالى الذي لا تخفي عليه
خافيه مطلع عليه قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ
النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا
لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}(سورة
النساء:108)، وقال سبحانه: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ
مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ
وَلاَ فِي السَّمَاء}(سورة إبراهيم:38)، وقال:
{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا
تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (سورة التغابن:4)، قال
حافظ الحكمي رحمه الله:
وهو الذي يرى دبيب الذر في الظلمات فوق صم الصخر
وسامع للجهر والإخفـات بسمعــه الواسع للأصوات
وعلمه بما بدا وما خفــي أحـاط علماً بالجلي والخفي
وهو الغني بذاته سبحـانه جـــل ثناؤه تعالى شأنه
وكل شيء رزقه عليــه وكلــنا مفتقر إليـــه
كلم موسى عبده تكليـماً ولم يـــزل بخلقه عليم
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسـبن الله يغفـل سـاعة ولا أن ما تخفيـه عنه يغيب
وقال الآخر:
وإذا خلوت بريبة في ظلــمة والنفس داعية إلى العصيان
فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
وهكذا ينبغي أن يكون المرء وقافاًً عند حدود الله، خائفاً وجلاً من ربه ومولاه، لأن
الخوف من الله هو سمة المؤمنين، وعلامة المتقين، وديدن العارفين، وهو طريقٌ الأمن
في الآخرة، وسببٌ السعادة في الدنيا والآخرة، وهو أيضاً دليل على كمال الإيمان،
وحسن الإسلام، وصفاء القلب، وطهارة النفس، فإذا ما سكن الخوف في القلب أحرق مواضع
الشهوات منه، وأجرى الدموع في العيون قال الله - تبارك وتعالى -:
{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن
قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً *
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً *
وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً}(سورة
الإسراء:107-109)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((عينان لا تسمهما النار: عين بكت من خشية
الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله))،
وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل
وعلا قال: ((وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا
خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة))،
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في
الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)).
اللهم اجعل أعمالنا لوجهك خالصة يا أكر م الأكرمين، وارزقنا حسن القول وحسن العمل،
واغفر لنا وارحمنا وتجاوز عنا يا أرحم الراحمين،
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (1/30)
للعلامة حافظ بن أحمد حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم -
الدمام، ط1، 1410هـ - 1990م.
رواه ابن حبان في صحيحه برقم (640) تحقيق: شعيب
الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط2، 1414هـ - 1993م؛ وصححه الألباني في
السلسلة الصحيحة برقم (2666)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
|